وضوح الضباب:

تغيضني مرحلة الضباب، والتي تتسم بألا وضوح يتخللها، تبقى هي عديمة الألوان فيما تبقى أنت عديم الشعور والتفكير والمضي، حسبك بها أن تعلم بأنك لا تعلم شيئاً، أتساءل دائماً لم على كل شيء أن يمر بها حتى يجتازها -ولو بلا وضوح-، وقد لا تكون النهاية اجتيازاً بل وقوفاً واختر ما شئت من سبيل تسلك فكلاهما متشابه. أود لو أحظى دائماً بالوضوح والنهاية والدقة والكمال لكنني كلما كبُرت نضبت كل الفرص لأَنْ أتمتع بالاختيارات الواضحة معلومة الحال والمآل، كان يريعني ذلك، لم لا أجد تفسيراً في كل مرة؟ هل قدرُ كل شيء في طريقي أن يكون مخبوءً؟ لكنني لما تتبعت -قليلاً- بعض هذا الدين وجدتُ اللهَ أراد لبعض أوامره أن تكون على قدر عالٍ من الوضوح فلا تحتمل نصوصها غير وجه، فيما قضت حكمته أن يكون للبعض الآخر أوجهاً يتخيّر منها المرء ما شاء حسب استطاعته بلا إخلال ولا هوى، سكَنتْ نفسي فكيف بأمر دنيوي ليس في عداد الآخرة ولا الدين شيئاً يُذكر. في كتابه الكريم يقول: “إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم”؛ ليست ضبابية بقدر التصرّف حسب ما يقتضيه الحال فقول واحد في مكان كهذا يُضعف مد الأيادي في جمع لكن قدّر! وهذا ابن عمر يحادث أباه عُمر -رضي عنهم- عما إذا كان سيستخلف فيجيب: إن الله يحفظ دينه، وإني لا أستخلف؛ فإن رسول الله لم يستخلف، وإنْ أستخلف؛ فإن أبا بكر قد استخلف. قال -ابن عمر-: فوالله ماهو إلا أن ذكر رسول الله وأبابكر فعلمتُ أنه لم يكن ليعدل برسول الله أحداً. ترك الرسول أمر الخلافة ليتحمل ثقل الضبابية أبو بكر من بعده وليس للتيه كان ترْكهم بل لشيء تكنه أفئدة الناس، ورغم ما حلّ بالمسلمين إلا أن إرادة الله اقتضت أن يرى الجميع حكمة أن تكون الخلافة لأبي بكر بعد أن جمعهم على آية من كتابه: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”، مثله الأمان الإلهي الذي تجلّى فيما أودع في روح عمر لينطق بلا ريب: “إن الله يحفظ دينه” فمهما قرّر وسلك من سبيل فحفظ الله يحوط به ولا يتركه. تجادلَ بعض صحابة رسول الله في رؤية هلالٍ واحتكموا إلى ابن عباس فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- قال: “إن الله مدّه للرؤية؛ فهو لليلة رأيتموه”؛ بعض الضباب يتبعه حل وبعض الحل لشؤون الدنيا كلّها، لو أراد لما مدّ لكنه مدّ، متى ما قدّر الله أمضى قدره، متى ما شاء أن يُعلم أعلم ومتى ما شاء أخفى وترك. في كل الانعطافات تحاول أن تقرر لكن ما من شيء يحول دون تلك الضبابية إلا أمر من السماء، أشياء لا تدركها لكن من شأنها أن تُمضي الحياة لتخبرك أنْ ليس بقدرتك ومصير كل شيء ليس للوضوح ولا تعدد الأجوبة بل بحسب ما يأذن به الله.

وجدت في الضبابية فُرجةً لأن يحظى المرء بالقرب الإلهي بالدعاء ومن ثم التسليم، فقبل المضي دعاء وبعد المضي تسليم بالاختيار، كلما أيقن المرء بألا ضبابية إلا بما يقدّره الكريم؛ تماشى مع تلك القدرة وأذعن، يرحل بعض الوضوح “ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”. كانت تلك الآيات تمهيداً للإخبار بموت نبي الله، وهي بعيني لكل التواءات الدنيا الصعبة وما نلاقي، هذا الدين كله بما حوى آخذ حجزه بحجز بعض، سبحان موجِدُه.

بعض نفثات:

ليس تفسيراً ولا يرقى لأن يكون تدبّراً؛ يُنفث في روعي حالما أقرأ لأفهم الآيات على نحو مختلف، قررت جمع تلك النفثات، وما اقتصر جمعي على كلام الرب، بل شيئاً من نور النبوة أُشعل به جذوة روحي فقررت ضمّه، به أستعين وأبدأ:

-يقول تبارك وتقدّس:”ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجّوا في طغيانهم يعمهون”.

علم الله الأسبق يتكشّف؛ لو رحم لعادوا إلى الطغيان وليس العوْد منكسراً بل لجّوا وهذا غاية التشنيع، ولا أدري لكن شيئاً انقدح فيّ وتراءت لي أعراض الجائحة فهل عوْد الناس على وجل أم شيئاً آخر ويرينا كيف طال حتى يعتدل كلٍ في نيّته.

-يقول اللطيف:”ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أن تضعوا أسلحتكم”.

أيّ رب جليل لهذا الدين ينضح بذا اللطف البهيّ! إن مسّكم أذى، ألقوا بما ناءت به أكتافكم عن حمله، وعما ناءت به أفئدتكم فهو به أبصر وأولى أن تحفه عنايته، سبحان ربي ذي الجبروت، ولا جناح عليكم لأنه بكم أرحم، تخيّل هوْل ما سيلقى أمام دقة هذا اللطف، لا أدري لكن لن نعدم خيراً من ربّ يحمل حباً ممزوجاً بيسر.

-يقول الهادي:”وهدوا إلى الطيّب من القول وهدوا إلى صراط الحميد”.

وهُدوا؛ ليس فعلاً أرضياً هو مدد سماوي محض، ساق ألسنتهم إلى أحب القول وأطيَبه وبعد القول عرّج إلى أرجلهم فساقها إلى صراط حميد، لينُ القول رزق وكذَا الهداية، لا يجتمعان لكن السماء لو أُذن لها هطلت وأتمت للعبد أحسن الهيئات، تتبّع لسانك وأرجلك، إلى أي شيء تميل وإلى أي واد تهوي بك، تأمّل هل نالك شيء من رزق السماء ولو مرة!

-يقول المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-:”لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به”.

متى ما هوى به هواه إلى إيمان؛ ذاك الذي أتمّ رُتب الإيمان وبلغ أعلاها، حتى يكون تنبيك عن كم محاولات هائلة أُبرمت وعُقدت حتى ارتقت به فنال وحظي بتلك الرتب، تبعاً أي قدّم إيمانه ثم بالهوى المملوء إيماناً، ياللظفر وياللهناء، ثم تبصّر بالوخزات التي تنال منه حالما يحيد بالهوى مع الهوى، وبهذا يكون النقصان وبهذا يَبِينُ الإيمان.

-يقول عليه الصلاة والسلام:”…ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه”.

لو جلت بناظريك ما رأيت إلا أن حُسن الأفعال محض توفيق ورزق، يفتح ثم يُلهم، متى ما أحسنتَ فلست لأنك أنت أنت ولكن لأن الله وهّاب كريم، أعطى ومنح وفتح ثم ألهم.

-قال الأمين -صلوات الله تترى عليه-:”أنت مأمورة وأنا مأمور؛ اللهم احبسها عني شيئاً”.

ليست للأولياء فحسب لكنها للعامرة قلوبهم يقيناً وتوكّلاً، حبس الله عنه الشمس لا ليري المشركين أمارات نبوءته، بل لليقين الذي فاض به قلب نبيّه وملأ الكون فأمسك به الشمس. أسباب الأرض مأمورة كلها بيد الجبّار، لو أردت منها شيئاً فتسلّح باليقين وادع رب المأمورات ولو كانت شمساً أو حتى قمراً.

أود لو أكملت لكن سلاسل تدوينات لا تفي بالغرض ولن تؤديه، أفكّر في مكان آمن أكتنز به هذه النفثات ولعلّ الله يأذن بالحل.

شيئاً عن العشوائية.

أخطو بُعيد الفجر خطوات لا أعلم كم يبلغن ولم أحصهن، لكن البحر وزرقة السماء وكثافة الأشجار والنسيم الذي يتبختر من بينهن ينسيني كل شيء، قررت اكتساب عادة صحية قبل سنتين وكانت هذه أجملها ولها علي بالغ الأثر. لم أقرر كم المدة لكن العلامات التي تمتدّ على الشريط الساحلي هي من قررت ذلك وعلمت بعد طول مشي وانتظام أني أقطع ٤ كيلو جيئة وذهاباً دون شعور، وبعد علمي عاد شعور الثِقَل والضجر فتقدير العقل لأربعة كيلو مترات كقطع طريق ألف كيلو متر راجلةً بلا زاد، والحمد له إذ أنعم بأني أُنسيت الكم وعدت أستمتع بكل هواء نقي تعود بالنفع. كأن هذا دأبنا مع الحياة أو دأب الحياة معنا، متى قررنا نمضيها على نحو منمق ليس باستطاعتنا معه كسر أي خطة أو ترتيب؛ شذّ شيء منها وباءت بقيّة الأيام بالفشل الذريع، ومتى ما سلّمنا الأمر له وبذلنا شيئاً من الأسباب الأرضية واقتصدنا في الشعور أن للخسارة والمحاولات شأن في هذه الحياة، عاد كل شيء بالنفع علينا وعلى الحياة من حولنا. أفكّر في العشوائية وكيف لها أن تحطّمنا لكنها في أحايين كثيرة هي الحل الأمثل، عشوائية اختيار كتاب مثلاً؛ لتكتشف بعدها رداءة الطبعة والمحقق وعليك بكاتب آخر أجاد وأمتع، ولو أنك بحثت سابقاً واستقصيت وتبينت ما ظفرت بمناعة الإجادة تلك، ولكني جربت عشوائية العيش بلا خطط يومية وإسبوعية وشهرية وسنوية ووجدتها أفظع من أي شعور، لا أدري كيف أحسن الحديث عما أود، لكن عشوائية تكسبك مناعة، ليست كعشوائية تجعل الأيام متشابهة دون ترتيب ومحاولة لتخفيف الأخطاء، كل الحياة قائمة على المحاولات والتجربة وهذا ألذ مافي هذه الحياة. يمكنني أن أقتصد القول؛ خير الأمور الوسط فاجعل دأبك بين البين دائماً، صرامة من غير تفريط وعشوائية تعيد للحياة بعض البهجة والتعلّم، لا تلتفت لاختيارات الناس وخططهم ونصائحهم، ليست ملزماً أن تحسن كل شيء، جرّب أن تفلت بعض الأمور لتنقل أنت أيضاً تجارب أخرى ليس للناس أن يستمعوا لها، سوء العشوائية الوحيد أنك ستكشف طريقاً أيسر مما مضيت به وتكون حفظت شيئاً من عمرك، لكن في النهاية كل السعي مدوّن في السماء، بالطرق المختصرة أو الطويلة. تدوينة تشبه أيام الحجر لا تدري عن شعورك تجاهها، كانت في عقلي جوهرة ثمينة وما إن كتبت شيئها منها حتى بدت لي أنها من الخرداوات، لكن لا بأس هذا شأن العشوائية أيضاً، بين البين دائماً وأبداً كي نحيا.

هل رأى أحدكم أملاً؟

ولعلّ قوى الناس خارت لأن تستقبل أياماً أخر موبوءة، كل أمل يتوارى كل يأس يتراءى، باتت ملامح الأيام مشتبهة والأرواح شاحبة، ليس للأيام أمد ليس للوباء حد، جهالة مروعة تكتنف اللحظات، لأستعيد بكم الأمل كي تحظى أرواحكم بإيمان ينير ظلمة الأيام ويبدد وحشة الطريق وتتضح به معالم حياة تسير هي إليه ما سعى ولن يسعى في طلبها. شقيَت أم موسى بابنها، ألقت لكنها ما وجدت، طال العهد به وما علُم له انقضاء ثم تأتي تراتيب الفرج مدبّرة على أحسن الصور “هل أدلّكم” لكن المدد الإلهي ظل لصيق لحظات العسر “لولا أن ربطنا على قلبها” ومن ثم تسير الألطاف على نحو رقيق كأن لم تذق ضراً “فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن” هل انتهى كل شيء؟ لا، بقيت الدروس والحكم الإلهية المهيبة “ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون” كل الوعود الإلهية كائنةً لكن عِظم الألم يُنسي وقليلٌ ممن أُكرم يعلَم أن للوباء أمد ينقضي به، سارت وأذعنت وألقت وآمنت وتولّاها اللطيف من غير حول منها ولا قوّة لكنها ألقتْ. في خضم سير موسى لأن يحيى ولسلسلة البلاءات اللي تتقاذف في طريقه، مضى ولا يعلم لأي جهة يمضي “إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك؛ فاخرج” خرج خائفاً يترقب القتل ويستقبل الضياع وما وسعت فواجعه إلا أبواب السماء “رب نجني من القوم الظالمين”و”عسى ربي أن يهديني سواء السبيل” برغم ما ذاق لكنه أيضاً مضى وتتلقفه الرحمات “قال لا تخف نجوتَ” لكن أين النجاة؟ ثماني حجج أو تطول وفي سير مظلم طويل غير معلوم برق “إني أنا ربك” لتحل تربيتة سماوية “إنك من الآمنين” وتبددت وحشة السير أخيراً. مريم صالحةً تمضي لكن المضي قرين البلاء “فحمْلته” وأي بلاء أفظع وأمرّ! وفي معترك الألم وجهالة الآتي وما تستقبل به بقية الأيام، مع ما لم يكن منه مفر؛ يتنزل الحنو الإلهي بألطف الصور “فكلي واشربي وقرّي عيناً” الأمر مدبّر علامَ الخوف؟ الذي ألْجأها لعظيم الألم وهبها عظيم العطايا والمنن “اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين”، ما عبرَ الربّ بأحد إلى سبيل العسر إلا اصطحبه إلى ضفة اليسر بيديه وعينيه “واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا” الذي أكرم بالفرح أعزّك بمعيته في الترح، لا يتخلّى لن يفلت يدك. تلحظ أن الفرج آتٍ لا محالة ولو بعد عسر غير معلوم المدة، لكن الفارق في معترك البلاء “وربطنا على قلوبهم” انظر؛ هل شملك لطفه بأن يسعك وقلبك ويربط عليه؟ هل تمر الأيام مملوءة يسراً وسكينة بل عملاً وتقرباً؟ إن تخلّى؛ هرب الأمل وغادرت البهجة وتآكلتْ الروح وعاثت بك الشياطين وتولّى عنك كل شيء بما فيهم مدد السماء، أرجوه ألا يتخلّى ويكلك إليك ويذرك. لما فصل طالوت بالجنود وتمكن اليأس من أفئدة بعضهم، لم يُعِد الأمل والحياة إلا فئة قليلة “قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله” علمتَ من أين ينبجس النور أمام كل يأس؟ ببعض الأمل الذي تسرّى إليك؛ هل بحثت عن الدنيا وتمتمت “رجّع الحياة للحياة” فرأيت الحياة هاربة لا يُعلم لها سبيل؟ أي حياة تعني وأيٌّ منها ارتحل، بعضنا يراها لعلّ حال دون رؤيتكم قتر! لا أدري لكنك تبحث عن فناء ومن بحث عن فناء لن يجده وإن وجده فلن يتشبّع فالخواء مرهون بما هو فانٍ، أنت تسعى خلف وهم ويريد الله لأن يريك أين تقبع الحياة الحقيقية ولعل بالأمل الذي بدأ ينضب سبيل لأن تدرك أنك عن الخواء باحث لا عن حياة حقيقة تملؤك، في الحديث “وأتته الدنيا وهي راغمة” بحث عن باقٍ فآتاه ما هو فانٍ، لأن تحيى وتبقى ممدوداً بالأمل وجذوة إيمان لا تخبو؛ عليك أن ترد منهلاً لا ينضب، يمدّك بلا انقضاء “ويبقى وجه ربك” هل علمت أين الأمل ومن سيعيد الحياة ولو ما عادت يعيدها جنة تحياها في قلبك؟ اجعل نصب عينيك هدف الحياة الأسمى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” ولئلا تفتر رتل دائماً “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون” ولكي تُمضي الحياة ألْق وتخل ثم امض بدعاء لا تملّه “عسى ربي أن يهديني سواء السبيل”. الباحث عن الله واجد للحياة لأنه موجدها سيُيحيها في دربه، الباحث عن الحياة فاقد لله فلن يجدها لأن موجدها أماتها وأزاحها عن قلبه. فتش في المحن عن سر الوجود والخلْق، عمن تسير إليه، عمن تفعل وفعلت وستفعل إليه، عن شيء يحيك دنيا وآخرة ولا يُطفيك، ارع وأنعم نظرك لأهدافك وخططك هل ستحييك يوماً ولو خبا كل مافي الأرض من نور.

وتؤمن بالقَدر.

الخطب يا سيّدة أن ما تحملينه ورماً، دنوّه من أن يكون حميداً هو المطمئن لكن التدابير الوقائية واجبة، قد يستحيل خبيثاً وهذا ما لا علم لنا به إلا بالخطة العلاجية. على باب سيارتي أحمل كومة أوراق وعصير المانجو المفضّل وماء، جمعتهم في كف وبأخرى أحاول فتح باب السيارة لكن صورتي ارتسمت على نافذتها وأطلت النظر برهة وحدثتُني إن كنت أنا أنا ولم يكن ذاك حُلماً وأدركت حقيقة كل شيء حالما وصلت البيت دون تبرّمي من طول الطريق وعدت أستجمع الأوراق والمواعيد وألملم فتات إيمان وقوّة لأعرف كيف أمضي بأمن وصمت. لست أعرف عن كلمة الأقدار شيئاً، أراها تتشكّل بآلام الناس وألوائهم، وإن كان قدري فهي بأقدار الخير والبهجة متمثّلة، وعن سيئه فلم ألحظ دقيق ما يحوي ويحمل إلا بكلماته وما تبعها. ركن سادس نلهج بتعلّمه آناء المدرسة وأطراف الجامعة “وأن تؤمن بالقدر خيْره وشرّه” قراءة شفوية محضة، لم ينفذ منها شيء إلى الروح، ندرك الخير وليس لله أن يسطّر لنا من الأقدار إلا أنضرها وهذا غاية العلم والعمل به -كما زعمتُ-. لفظة وحيدة تجلّي لحظات التقاء أرواحنا بتلك الأقدار هي الذهول؛ يتوقف كل شيء وتحاول جلب المفاهيم التي فقهت وإعادة تمكين ما تعلمت، لا تدري هل تمضي برغم كل شيء وإن لم يكن بمقدورك استيعاب ما يحصل وتأتي الحلول سماوية بحتة أم توقف الدنيا لأن تفهم وتدرس الخطوات وتجلب الإيمان والصبر والرضا واليقين وتلتقط الأنفاس وتستحث الخطى بملء قوى إلهية ومن ثم تواجه تلك الأقدار؟ يبدو الأخير خياراً أقرب للخيال فمهما قابلت ستمر بحالة الذهول تلك ولو حُمّلت من علوم الأرض ما تطيق، صدقني لا شيء له أن يخفف من وطأة الذهول تلك، قد لا تطول لحظات الذهول وبمجرد ثوانٍ معلومات تستجمع رشدك وتؤوب إليك. لا أدري هل يستلزم الذهول تحطيم كل شعور عداه، يبقى يترأس الأحاسيس إلى أن يقضي الله بأمرٍ من الصبر فيتنحّى ويشارك الإيمان والطمأنينة والرضا والتوكل، أم أن شعور الدهشة يحل أولاً دائماً وبحسب صبر كل منّا يستطيع أن يستعيض بالإيمان بعد لحظات الدهشة الأُول؟ في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-:”إنما الصبر عند أول الصدمة”، تلاشت بعض ضبابيتي، عند أولّها أي في خضمّ لحظاتها الأولى، لأوجز تلك اللحظات؛ الذهول والصدمة ومع الصدمة يتصبب مدد الصبر بتلفظ الحمد وتذكر عنايته ولطفه وعظيم إنعامه وأفضاله ومن ثم تعود الحياة وتُمضيها باعتياد هذا القدَر الجديد. بعضها معلوم الأجل والصفة فهذا أيسرها، يقابله مجهول الأجل والصفة فلا أثقل على الروح من المرور به، تميز به معالم الصبر وتبين رُتب إيمان المؤمنين، فكل غيبٍ فاق تصوراً محسوساً هو أدعى لنبذ قبوله وتفهمّه ولعله الأقسى. أن تؤمن بتلك الأقدار يعني أن تتجرّع مرارة اللحظات فتعيها مدركاً أن الرحيم يكلؤك، أن ترى الخير بألا تخسر صبراً فالظفر مرهون باللحظات الأُول، ألا خوفٌ مادام اللطيف أذن للقدر بأن ينفذ؛ فلا الذعر يجدي ولا التوقف، أن تعي أن القدرة الإلهية ألقي إليك منها شيء لأن تتساير مع ما حل ما دمت أيقنت بالتجاوز، ألا قدر سيء “بل هو خير لكم” حالاً أو مآلاً وإن كنا لا نسيغه فالأمر الإلهي قد قضى بها، ألا حزن مستدام جهالة صفةً وأجلاً ف”ماتسقط من ورقة إلا يعلمها” فالحلول تتنزل متى ما أذن لها الرب كما أذن للضر. عاثت بي الحياة وتشبثت بتبصّرٍ لإيمان بسيء الأقدار، وخضت حرباً لأبقي أول إيمان أشعل جذوته الكريم والصبر الذي أمدني به حينها، لأعلم بعدها أمام كل مصيبة وخطب أن أول الحلول الصبر والهدوء والحمد واليقين والرضا، وليس لك أن تحظى بهذا كله بالمران وتعاهد المصائب أيامك بل بالدعاء وحده.

أن يْهدِيَني.

‏فقدت جزءً من ذاكرتي بعد سلسلة آلام عويصة، تظاهرت في بادئ الأمر لكن كل زوايا الحياة وشت بي فقررت الاستسلام. وكنت قبلها أتمتع بنسيان فريد إلا أن فقدان الذاكرة أكسبني غباءً واصطبغت معه بالبلادة وارتديت ما ليس بردائي ولم أفكر يوماً أني خُلقت لأكونه أو يكون معي.‏لا أذكر ملامح الفقدان لكن أوجعها كان مع الآيات، طال بمخالبه كل شيء وفكرت أني سأبقى زمناً بلا هوية ولا معالم وهذا يناقض ما خُلق فيّ أو أوقده الله بين جنباتي. إنْ حمَلت الأيام مرارةً وقسوة فإن طولها لا يُعبّر عنه بشيء لكنها لا تمر ولو مرّت، تتوجع وليس ذاك الوجع المعتاد بل أفظع. عند أول سؤال مفاجئ تحاول التحديق إلى السقف إلى جهة اليمين أولاً ومن ثم إلى اليسار، تعاود النظر إلى صاحب السؤال لترفع كتفيك إلى أعلى وتشير بيديك وتتلفظ -ببلاهة- بلا أعرف! وإن كان سؤالاً عن اسمك أو حتى عمرك، لست تحمل ذاكرة بل شيئاً هلامياً لا يمكنك معه استرجاع الذكريات أو ترتيب اللحظات، يطول بك الزمن وأنت تلملم بقايا معلومات لتهدي من تقابل إن طلب، وأما ابتدار الحديث فمحال ولو استجمعت الأحرف والكلمات فخطأ وحيد كفيل بتوقف الذاكرة مجدداً ومجاراة الحديث معاً. تنحيت عن الحياة جانباً وعدت إليّ بهدوء وخلّفت ورائي كل ما سعيت وكنت أسعى إليه، عدت بقواي إلى المصحف وبدأت محاولة جمع ما شاء الله وكتب من آي حفظتها وغادرتني، لتعود ذاكرتي به وتلتف الحياة من حولي معه، استغرق الأمر كثيراً وكلّفني شطراً من عمري، لكن أن تعود إليك؛ أول مرافئ الأمان لتسلك سبل الحياة التي ما قامت إلا على ما تحمل من ذاكرتك. وقفت مؤخراً على “واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً” وفقهت سبب تلك المحاولات والسقوط والعودة وإن أزمعت التملّص مراراً لكن شيئاً في أعماقي يجرّني إلى هذا الكتاب، واذكره إذا نسيت فإن نسيت فإن به ما يُذهب النسيان وقل عسى أن يهديني -ولو بأقرب الطرق- إلى الصواب وليس إلى الطريق بل ما يحاذيه، فإن القرب مظنّة الوصول. كل ذاك التيه جمعته كلمات سماوية، إن شيئاً به لا ينضب ولن، في اليسر له طعم وفي العسر لذة أخرى، أمام كل ضياع بوصلة وأمام كل العقد حلول، متى ضاقت فقل عسى أن يهديني لأقرب من هذا رشداً، بيقين لا بهذٍّ.

مشْتَبهاً به، أو غيرُ ذلك.

رغم علم العبد بمباغتة الأقدار له إلا أن لطف الجبار يلحقه قبلها بوخزات يوقعها في قلبه، أحسست بشيء يشبهها لكنني استعذت به وخلدت إلى النوم. لست أدري كيف للمرء أن يستيقظ لكن حال الفزَع بيّن؛ ببصر لا أبصر به كل شيء أحاول البحث عن يدي ومن ثم الهواء لكن دون جدوى، ولا أدري ما سر هذا الهواء الذي “على طريف” ليغادرني في كل مرة! أردت قطع شكي بموتي أن أخطو بضع خطوات، واستنهضت وفعلت لكن بلا هواء أيضاً، وظللت أكرر الخطوات والبحث عن أي نفس يهب لألتقطه وفشلاً باءت كل المحاولات به، حاولت الهدوء فحسب فبعض أقدار سبَقتْ ألهمتني فعل ما يجب، مضيت ومضيت ولا فائدة، كأن أحدهم أخذ برئتيك وحنجرتك ومزقهما؛ فلا هواء ينفذ وجوفك يشتعل ألماً وحرقة، ولم ألحظ أن أساس أعراض الجائحة هذه إلا عند الطبيب: هل تخافين؟ أجبت لا! ولمَ فأنا أريد هواءً فحسب، قال: حسناً، يبدو أنها كورونا تحتاجين لأشعة واختبار للدم وبإذن الله لن يكون إيجابياً للاطمئنان فحسب. انتابني الهدوء أكثر ولا أعلم السبب، فهل لليقين الذي أدعو به صلةً بذلك أم أن علمي بالداء أزاح عني ثقله وبقي سبيل التشافي فقط؛ لا أدري. خليط من أصحاء ومرضى يجتمعون في ذات المكان ولا استقبال إلا لمن أراد الموت أو حمل بعض الأعراض، تعج الممرات بالطاقم الطبي والذي لا يحول بينه وبين الڤايروس إلا بعض أقمشة، حاولت أن أنسلّ من بينهم فتقدمت، أشرت بورقتي فقدموني، وأجريت كل ما طلبوه وقبل الرحيل سألته هل بإمكاني العودة إلى المنزل لحين ظهور النتيجة فلم يجب، وعلمت أن علماً مخبأً لم يُكتب له النزول بعد، فأسباب الأرض قد خُفيَت وبقي مدد السماء، ثم خيرني واخترت العودة. الجميع هلِع؛ فغاية علم الأطباء تلك الفحوصات، وغاية أمل المرضى أن الطبيب سيكشف كل شيء، ولكن لا شيء من هذا يحدث والله، عدت إليه فإذا النتائج أوراقاً متعددة يستجمع حسب ما ألهمه الله ليرى إن كان ثمت خطب أم لا، وبعد لملمته أشار اذهبي دون صرف الدواء وعاود ليستقبل أوراقاً أخر فيلملم حسب استطاعته! وبجيئتي وذهابي عاد الهواء يدب دبيباً لا يكاد به أن يكون هواءً فعلاً، لا علم لأحد بما يفعل، فلا يمكن التحرز من الڤايروس مطلقاً ولا يمكن الجزم به أنك تحمله، إنه بمثابة هواء سيء لكنه يتخير جوفاً يخترقه، كلما تذكرته أحسست بيوم قيامة مصغّر والحمد له إذ أذن للأذى أن يُكشف ليذهب، فصُرف الدواء وعاد الهواء، وعلمت بعد صرف الدواء أنه لو كان ڤايروسياً لم يكن لي دواءً وسأبقى أصارع لأجلب الهواء قسراً أو بجهاز لا يتملكه إلا من أشرف على موت محتم، وبهذا كله عرفت سبب كل تلك التدابير وآمنت بالكريم إذ ألقى بعض علم على خلقه ليعلموا كيف تسير الأمور ولولاه لما سارت. ومن بين كل تلك اللحظات، كانت لحظات الإيمان جاذبة؛ أمام كل هذا الطوفان استمسكت بهدوئي ورددت بملء روحٍ “لا إله إلا الله” وكان لها كل الأثر، تفكّرت وتبصرت ولاحت لي “فلما جاءتهم رسلنا بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ماكانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده”، وبعيداً عن كفر هؤلاء وإيمان الدكاترة وأن غاية علمهم بذلهم ومحاولات تعلّمهم لكن القاسم المشترك هي تلك العودة إلى السماء “آمنّا” لا شيء يجلو المحن مثل الإيمان والاستسلام، ولا يسكن الهلع ويقتلعه إلا الالتجاء إليه “خُلق هلوعاً … إلا المصلّين”. في كل مفترق طرق يتلقفنا الإيمان ليحيمنا، قد لا ندركه هلعاً لكننا سرعان ما نؤوب إليه إذ كل أبواب الأرض موصدة فلا سبيل إلا منه لإكمال السير.

لما ذقت طعم الموت:

في غرفة العمليات بعد تخدير وقبيل إغماضي كان الطبيب يسأل وكنت أجيب، أترقب كيف سأغمض وأنا لست بحاجة إلى النوم، بدأت أفقد وعيي تدريجياً حتى غفوت، ودون سابق إنذار صحوت قبل أن يتم ما أرادوه؛ مرغمة فالتنفس بدأ يضطرب والطبيب مرتبك عين ترقب ال heart rating وأخرى متوجهة نوحي ليصرخ بلا جدوى :”أرجوك تنفسي من أنفك حاولي حاولي”. كنت لا أقوى الحديث وبنصف وعي أحاول التقاط أي ذرات للهواء دون فائدة، يكرر الصراخ مرة تلو الأخرى، كنت على مشارف موت محتم، لا أعرف كيف سأنجو، أبحث عن أي طريق للحياة أعاود النوم فأثر التخدير بادٍ ويغلبني، أفقد التنفس ولا أستطيع الحراك والهواء ينفد ولا مجال لأي أكسجين أن يخترق رئتيّ، وتحول حالي بألا شيئاً أرى عدا صوته العالي “من أنفك من أنفك” بدأ يخفت وأحسست بأنها نهايتي، لا أملك كيف تكون خاتمة حسنة لكني نويتها كذلك وفقدت تام وعيي بعدها. المرة الأولى التي جربت بها طعم الموت، لا أعلم إن مر الأطباء أن يستيقظ أحدهم في غمرة تخديره ليحاول التقاط الأنفاس أو يموت ثم تعود الحياة إليه لكنها كانت أكبر عطايا الإله، يلتف من حولك غرباء، تتمنى لو أن يداً من بينها تتشبث بها أو عيناً تطمئن إليها أو قلباً يؤيك ومتى انتهت تلك الأنفاس وهبك قلبه وروحه وكل أنفاسه وأبدلك، لست تظن بذلك بل مدرك أن أماناً محتماً سيطوف بك، أتذكر كل تلك المحاولات، الشهيق الذي يتمزق بمحاذاة أنبوب يغوص في فمي، والزفير الذي لا يجد مخرجاً إلا أنفي، نسيت ولا أدري كيف ينسى المرء عملية حيوية يحيى بها كهذه. جربت الموت، ليس الموت الموت بل ما يشبهه أو سكراته، يتشبث المرء بحياته مهما بدت ناقصة أو غير مكتملة، إن آماله تتضاءل لتصبح نفساً يعود به للحياة من جديد، ومتى يعود فتكثر الوعود والآمال وتكبر أن كل ثانية ستكون نافعة تحييه لأن الكريم أكرمه بها. لا يدرك الناس من حولي لمَ أبدو حريصة على وقتي، لم يمر أحدهم بذلك الموت الصغير، لا يستطيع أحدهم التفكير كيف أن حياته ستؤخذ عنوة ولابد وفي أي وقت، قد كنت قبله أحفظ بعض الوقت واليوم أحاول حفظه كله، ليس جنوناً لكني أبذل ما استطعت، لم يعد الله تلك الأنفاس إلا لشيء يستحق أن تكون له وبه، تمر بي عواصف عاتية توقفني وتوهن عزيمتي أياماً لكنني بها أتزود ومنها أمضي، لاشيء يوقفك والله بنصره يؤيدك، والله بعينه يرى سعيك ويكلؤك. إننا في امتحان طويل لا يُرى ولا يُدرك، ابذل ما اقتدرت، لن تصل فلست نبياً ولا ملكاً لكن الله يحب السعي، إنني عرفت كيف أحيا لما مت أما أنت فاعرف كيف تحيا قبل أن تموت، ليست الحياة للفراغ ولا للا عمل إنما هي فراغ وسيقت إليك لتملأها، لن تنجو بنصيحة أحدهم، لن تعبر الصراط بالدعة، لن ترتقي درجات الجنة بالكسل، إنما بالعمل وحده ما استطعت، “في كبد” في صراع دائم فلا مبرر لأن تفرُع لأن صراعاً حطّمك، مع الصراع اعمل كيفما قُرِن، خلقك بالكَبد عليك وعلى من أتت بك فاقرن السعي به، لا يثنيك ولا يقتلك بل به ومعه سر، وهل خلا أحدنا يوماً ألماً؟ هذه دنيا شقاء لمن يريد ديمة نعيم مؤجل، اظفر ببعض الراحة هذا بدهيّ وأتبعها بالسعي والعمل وأكمل، لا تلتفت اقصد هدفك وامض، على قدر التوقف على قدر طول الطريق ووحشته وتأخر الهدف ورؤيته، أنت أعلم بنفسك ولا تنس “إنمّا هي أعمالكم أوفيها لكم” فانظر كيف تعمل وعملت وما ستعمل.

منح الجائحة.

قبل نحو شهر أو ما يزيد، رأيت في منامي حُلماً بشعاً؛ كنت في بيت الله، لم تكن السماء صافية بما يكفي لكن شمسها لم تكد تبين، غائماً كان جوها، وكنت على عجلة من أمري لأدخلها، وعند دخولي كأن المطر قد سقط -لا أذكر جيداً- وجلت البيت الحرام بأكمله لأكون قرب الكعبة لكني كلما حاولت الدخول وجدت الأبواب مقفلة، ومن سلّم إلى سلّم حتى وصلت وما إن وصلت حتى حلّق العساكر حولها وأبدوا الرفض لكل من يقترب، من بعيد ننظر لكننا كنا قلة حينئذ وحاولنا الطواف أو الصلاة، كنت أتأمل الحجر بعين الشفقة لا شيء يحول بيني وبينه سوى مسافات قصيرة لكن لا أحد يقترب ولا أحد يستطيع الوصول، واستيقظت فزعةً والحمدلله أني استيقظت. آلم الأحلام وأوجعها، كنت أتساءل عما إذا كان بإمكان أحدهم أن يصد الطائفين العاكفين عن الكعبة، مفجع كان المنظر، لكن أياماً معدودات كفيلة بجعل الحلم حقيقة، كلما رأيت أسوارها التي تحيط بها عاد لي ذاك الحلم وتألمت مرتين. لم تبق ولم تذر؛ حطت الجائحة رحلها في كل شبر، تآكل كل شبر في هذه الدنيا حتى خوى، لا بشر ولا أمان، هدوء حزين ومتربص إن كان للكارثة أن تمتد أكثر. سأكون أصدق من أي شيء، ما حزنت لشيء عدا حزني على بيت الله، أما بقية الأشياء فأرجعت الأسباب إلى الله واستلهمت منه مدد الصبر والقوة والشجاعة والإيمان، لعل أصدق إجابة إلهية حلّت “ففرّوا إلى الله” حان الوقت يا من ابتعد وتقهقهر وأخّر، اليوم لأن تؤوب وتفر منه إليه، من قضائه إلى أمانه وعافيته، لعلّك ما اعتدت لكن أبواب السماء لازالت مفتّحة وإن أغلقت أبواب الأرض، حان وقت الحلول السماوية، حان وقت الاستسلام والسجود والعودة للعبودية التي أضحت كنزاً بعد أن فرّط فيها من فرّط، أيّنا ما مسّت صحيفته خطيئة؟ أيّنا لم يحدث ذنباً؟ عاود الكرة إلى باب الله والزمه. ما تغيّرت ألوان الحياة الجديدة معي، فأنا هذه مع الجائحة وبدونها، يعم الهدوء كل تفاصيل حياتي، فهاتفي خالٍ من أي إشعارات، تمر الأيام تلو الأيام ولست أتفقده أو أفتقده، خطتي واضحة وجدولي الأسبوعي منظم وأهدافي مرسومة، هالني أمر الناس وتندرهم، ضاقت بهم أرواحهم فضلاً عن منازلهم، كلهم ضجِرٌ متململ لا يدري ما حل به أو إلى أي مكان يهيم، الأخبار لا تتوقف وآخر يصيح بآخر، أوقات مهدرة وأرواح مضطربة وأشياء تدور ولا يوقفها شيء. ليس من المنطق أن أبدو مثالية إلى حد البشاعة في وقت احتيج به معظم البشر إلى مساعدة ولو عابرة، لكنّا كما أنتم ما آل أمرنا إليه إلا لمّا نلنا من دروس قاسية موجعة، ستفقه بعد عبور كل هذه الآلام والمتاعب أنها ليست مثالية، لكنها حال الإنسان العاديّ الذي يحب الله ويألف أقداره ويتماشى معها ولو حل به ما حلّ. حاولت مجاراة الناس واستقصاء الأخبار وبحث الأسباب وإمكانية إن كان لي يد في شيء من أمر الناس لكني لم أفلح بشيء، فتسارع الأحداث وكثرة الأخبار يبدد طمأنينتي ويوهن روحي فكففت، لا أدري كيف لكل هؤلاء الناس أن يكون لهم في كل شأن خبراً، على أية حال لا يهم. ليس لي من أمر الناس شيء، لكن لترجع إلى البداية، لتستقيم الطريق ولو حدت، فرصة عظيمة قد حيزت لك وما كل الفرص تتكرر ولا كلها تعود وتستأنف، نح هاتفك بما حمل وقرب ما ينفعك، فالأخبار لن تنتهي لكن عمرك منته، والساعات تمضي وعمرك معها، تالله إنها أيام ذخائر -لو أنك أبصرت-. هذه أيامي أنا وفرصتي لأن أعود للحاق بركب البشر يوم أن توقفت ومضوا، تعطّل كل شيء في هذا الكون وكم حسبت أنه لأجلي ولأجل أن أدرك الفوت وكم تلّمست فضل الكريم الواسع الجبار بين طيات هذه المحنة، أنا أدعوه أن يحوط بالبركة كل ساعاتي وأيامي كي أهنأ وأظفر ولو بشيء يسير أستعيض به عما بددته آلامي بأيامي، لعلك فقهت ألا مثالية في الأمر وأن الأمر كل الأمر سعي إلى الله لن ينقضي، لعل بالأسطر الأخيرة اندثرت كل حروف المثالية، وليت لعلّ تكون حقاً.

مياه العينين.

قالت إن جميع الفتيات يبكين على الدوام، كلهن بلا استثناء لأجل ذلك كان النقص لصيق بهن، إنهن يبكين ليلاً دائماً وكذا رفيقاتهن، ليس لأجل شيء سوى أن مشاعرهن السيئة لا تتراءى لعينيهن إلا ليلاً وهذا يجعل نوبة البكاء تستمر. فكّرت كثيراً فيما تقول، لم أشاركها الحديث فأنا لا أفعل كما تفعل، ليس لي البكاء ولم أبك ليلاً قط! ظننت بأنها تعاني خطباً ما وهذا ما يجعلها تبكي، إذ لا شيء يستحث الدمع سوى الألم الذي يكتنزه الصدر، عدا ذلك هراء تهذي به كل الفتيات، لم أبك صبحاً ولا ليلاً، منظر الدموع دليل انكسار وما كان لشيء قط أن يهزمني، كنت أقوى من أن أبكي، وكانت تلك القوة تشوبها الريبة فكيف لفتاة ألا تبكي أو نادراً أن تبكي. مرت أيام طويلات على ذلك الحديث وعلى تلك القوة، أذكر لقائي الأول في العيادة وعند أول كلمات تلفظ بها الدكتور: ما الخطب؟ خرّت كل تلك الدموع المكبوتة، كان بكاء غريباً، أمسك بعيني وأرفع رأسي، لا لا هذه ليست دموع هذا شيء غريب، ليست كما كانت تحكي مطلقاً! إنها تقول أن الدموع فقط ليلاً ومن ثم تعاود نشاطها صبحاً وليس لأحد أن يرى ذلك أبداً، إنها مجرد محاولات تخفف لا أكثر. حسناً إن التي في عيني جاءت في وقت مبكر وهو أقرب إلى الليل، لكنني أحسست قبلها كما لو أن أحد قد جثم على صدري، ثم أرادني أن أبكي في تلك اللحظة ولم أُرِد ذلك أبداً! كل أمارتها مختلفة عما أخبرتني به، بدأت عيني تتفجّر دمعاً لم أستطع كبحها، التواءات عنقي المتوالية وشهقات أطلقتها شفتي كانت مريعة جداً، يا رب أخبرني ما هذا الذي يحدث، لم أتوجع لفقد شيء ولم أتحدث مع أحد ما الذي يكون سبب كل هذا الانهيار، جاءت الإجابة أخيراً منه: ابك، ابك يا ابنتي فكل من في هذا الكون يبكي، ابك كلما حلّ عليك هذا الشعور، ستنعمين بعده بارتياح، كلنا يمر في ظروف صعبة وعليه أن يبكي حتى أنا وقدم لي منديلاً، كفكفت من دمعي وحاولت الرجوع إلى هدوئي وعدت. كانت تلك أول نوبة بكاء تعتريني بلا أي شيء، دخلت عالم الفتيات لأول مرة، لم يكن قبيحاً لكن منظر المسكنة يصيبني في مقتل وهذا أبشع مافي البكاء، عرفت لم خلق الله الدموع، عرفت نعمة البكاء وما يتبعها من راحة لا يعدلها شيئاً، حتى وإن لم تعتد تلك المياه التي تجري من عينيك سيجريها الرب وبلا سبب وكان هذا أعظم ما لقنتني إياه الحياة. لن يدوم تظاهرك بالقوة، ولن تدوم تلك الفكرة التي تقول الذي يبكي هو الخاسر البائس الذي يندب حظه باستمرار، البكاء يعني أن تستريح ولو قليلاً، لن أكذب وأقول أني عدت إلى رشدي ومضيت أبكي ليلاً وبلا سبب لكني عدت إلى سابق عهدي بألا بكاء إلا فيما يقتضي البكاء لكن نوبة خاطفة تهدم كل هذا الجبروت، أبتسم بعد البكاء وأشعر بفقدي أجزاءً من عقلي؛ قد سُحقت كل قوانيني وقوتي ويا لضعفي وهشاشتي. لا أدري لم علي كتابة مثل هذا لعل يومنا العالميّ سبب، لكن لتبك جميع النساء ودوماً بسبب وبدون سبب، بعض الضعف قوة أو كل الضعف قوة وهذا ما لا أدركه.

Create your website at WordPress.com
Get started